يستخدم تحليل السلوك التطبيقي في مجال التربية الخاصة لمساعدة الأطفال على تعلم سلوكات إيجابية ومنتجة. وغالبا ما يتم استخدام هذا النهج مع الأطفال الذين تؤثر حالات الإعاقة الموجودة لديهم على سلوكهم ومن ثم على تعلمهم. وتبين هذه المقالة أن استخدام برامج تحليل السلوك التطبيقي يساعد معلمي التربية الخاصة ومقدمي الخدمات المساندة ذات العلاقة على فهم سلوكات الأطفال والعمل على تعديلها. كما توضح المقالة الأهداف المتعددة لتحليل السلوك التطبيقي، فهو ليس فقط للتعامل مع الاضطرابات السلوكية. فمن خلال تطبيق تقنيات مختلفة، يمكن لمحلل السلوك أن يصمم برامج لمساعدة الطفل على تحقيق أهدافه التعليمية والاجتماعية، بالإضافة إلى منحه الدعم الذي يحتاجه للنجاح أكاديميا.
يواجه الأطفال ذوو الاحتياجات الخاصة مشكلات سلوكية وانفعالية تؤثر على أدائهم وأداء أسرهم اليومي. وتختلف أنواع هذه المشكلات وشدتها حسب نوع الإعاقة ودرجتها وقد تشمل السلوك العدواني، والسلوك الانعزالي، والسلوك الفوضوي، والاندفاعية، وأنماطا سلوكية أخرى.
لكن سلوك هؤلاء الأطفال مثل سلوك الأطفال جميعا يخضع لقوانين محددة. فليس هناك قوانين خاصة تحكم سلوك الأطفال ذوي الحاجات الخاصة. إلا أن الإعاقة وما تفرضه من قيود على الطفل، وما تحدثه من ردود فعل، وما تشكله من اتجاهات لدى الناس هي ما قد يجعل سلوكه يختلف اختلافا ملحوظا عن الأطفال الآخرين. فالإعاقة واضطرابات النمو حالات تجعل الطفل يواجه مشكلات في المهارات الاجتماعية والتواصلية. ومن المعروف أن العجز في المهارات الاجتماعية المناسبة وفرط الاستجابات الاجتماعية غير المناسبة من الخصائص المميزة للأطفال ذوي الإعاقة العقلية أو ذوي اضطراب طيف التوحد مثلا. فهم يظهرون سلوكات غير مقبولة اجتماعيا قد تقود إلى نفور الآخرين منهم ورفضهم لهم أو تجنبهم.
والعجز في السلوك التكيفي من المعايير المهمة لتشخيص بعض حالات الإعاقة. لكن المشكلات الاجتماعية لا تعود لتدني القدرات فقط ولكنها تنتج جزئيا أيضا عن اتجاهات الآخرين نحو الأفراد ذوي الإعاقة وطرق معاملتهم لهم وتوقعاتهم منهم. فهذه الاتجاهات والتوقعات تؤدي إلى تدني مفهوم الذات الذي يرتبط بخبرات الفشل والإخفاق التي يواجهونها. كذلك فإن الأفراد ذوي الإعاقة قد تكون تفاعلاتهم الاجتماعية محدودة. فقليلة هي الفرص التي تتاح للأشخاص ذوي الإعاقة العقلية للانخراط في حياة الأسرة والمجتمع وقليلة هي العلاقات بين الشخصية والاجتماعية التي ينجحون في إقامتها.
ومعروف أيضا أن نسبة انتشار اضطرابات الصحة النفسية لدى الأطفال ذوي الإعاقة أعلى بكثير من العادي. فثمة أعداد كبيرة من هؤلاء الأطفال تواجه صعوبات نفسية وانفعالية مختلفة منها على سبيل المثال لا الحصر: (1) تدني مفهوم الذات، (2) توقع الإخفاق، (3) الانسحاب الاجتماعي، (4) الافتقار إلى مهارات التنظيم الذاتي، (5) العجز المتعلم ومركز الضبط الخارجي.
وعلى مدار العقود الثلاثة الماضية، أصبح تحليل السلوك مرادفا لعلاج اضطرابات طيف التوحد على وجه التحديد في نظر العديد من الآباء والمعلمين والمعالجين. ولم ينبثق هذا التصور من فراغ، فقد بينت دراسات كثيرة جدا أن العلاجات المستندة إلى تحليل السلوك هي العلاجات الأكثر فعالية للأطفال ذوي اضطرابات طيف التوحد.
وأصبحت هذه الأساليب مقبولة على نطاق واسع بين المعلمين والمعالجين. وتشجع برامج التحليل السلوكي التطبيقي السلوكات المرغوبة وتكبح السلوكات غير المرغوب فيها لتحسين مجموعة متنوعة من المهارات. وبالإضافة إلى أساليب تحليل السلوك الشائعة (التعزيز، التشكيل، النمذجة، إلخ)، هناك أسلوبان مستخدمان على نطاق واسع لتدريب وتعليم الأطفال ذوي اضطرابات طيف التوحد استنادا إلى تحليل السلوك هما: تدريب المحاولات المنفصلة، وتدريب الاستجابة المحورية.
وثمة تطبيقات واسعة لتحليل السلوك التطبيقي في مجال صعوبات التعلم. وتشير نتائج الدراسات العلمية إلى أن تحليل السلوك يمكن أن يساعد في معالجة صعوبات التعلم. فتحليل السلوك نهج علمي لتسهيل التعلم يشمل إعداد بيئة منظمة لتعليم الأطفال. ويمكن استخدامه لتطوير المهارات الأساسية، مثل الاستماع، والمهارات الأكثر تعقيدا، مثل القراءة. ويتم وضع خطة تدخل سلوكي فردية لكل طفل لتلبية مهاراته ولتلبية احتياجاته المحددة. ويتم تقسيم المهارات المعقدة إلى خطوات صغيرة للسماح للطفل بتعلم المهارة على مراحل. وتعدّ أساليب التدخل المبنية على تحليل السلوكي في مجال صعوبات التعلم من الأساليب المسندة بالأدلة، ويوصي بها ويدعمها مرجعيات علمية عديدة.
وفي مجال الاضطرابات الانفعالية والسلوكية يمكن توظيف مبادئ وأساليب تحليل السلوك التطبيقي لتحقيق أهداف وقائية وعلاجية عديدة. لكن ليس هناك أدلة بنفس القوة على فاعلية التحليل السلوكي في معالجة الاضطرابات الانفعاليةوالسلوكية. ولا يعني ذلك أن أساليب تحليل السلوك غير فعالة في معالجة هذه الاضطرابات لكنه يعني الحاجة إلى إجراء مزيد من الدراسات التجريبية في هذا المجال. ولعل العائق الرئيسي أمام تحقيق هذا الهدف هو عدم التطبيق الدقيق لبعض مبادئ تحليل السلوك في الحالات التي توصف عادة بأنها “انفعالية” أو “نفسية” بدلا من “سلوكية”. ويحتاج هذا الموضوع إلى معالجة مباشرة. فعلى محللي السلوك أن يكونوا على استعداد لاستخدام مصطلحات خارج نطاق تخصصهم، مع الإصرار على التعريفات الإجرائية لهذه المصطلحات عندما يستخدمونها. ويمكننا لاحقا تقييم مستويات الأعراض والتي من خلالها نستطيع أن نحدد تجريبيا ما إذا كان العلاج قد قلل أو زاد أو لم يكن له أي تأثير على الأعراض.
وفي مجال الإعاقات العقلية والنمائية يتم دمج المبادئ الأساسية لتحليل السلوك (مثل: التعزيز، وضبط المثير، والتعميم، إلخ) في التقييم المنتظم والإجراءات التعليمية المستخدمة بشكل متكرر، بما في ذلك تحليل المهام، واستخدام التسلسلات الهرمية المحفزة والتأخير الزمني، وإجراءات التشكيل والتلاشي، وغيرها.
انبثق عن تحليل السلوك أساليب تعليمية وتدريبية مباشرة. وتركز هذه الأساليب على تصحيح الاستجابات الخاطئة وتطوير الاستجابات الصحيحة بشكل مباشر، وقد عرفت البرامج المنبثقة عن هذا النموذج ببرامج تدريب المهارات (Skill Training Programs).
ويشار إلى هذا النهج بالتدريس المباشر (Direct Instruction) لأنه يركز على تدريب المهارة ذاتها وليس على عمليات وسيطة أو تحتية مفترضة ليكتسب الطالب تلك المهارة. هذا التدريس يتمثل في تنفيذ الخطوات التالية: (1) تحديد الأهداف بدقة، (2) قياس أداء الطالب بشكل مباشر ودقيق قبل البدء بتدريسه، (3) تحليل المهمة التعليمية وترتيب عناصرها بشكل متسلسل، (4) تخصيص وقت كاف لتعليم المهمة، (5) تقديم تغذية راجعة للطالب حول أدائه، (6) توجيه الطالب نحو ممارسة المهمة إلى أن يتقنها، (7)عرض البيانات حول أداء الطالب في رسوم بيانية مناسبة.
وهذا التدريس انبثقت عنه نماذج مثل التعليم الموجه (Directed Teaching) لأن المعلم هو الذي يختار المهمات الأكاديمية ويوجه الطلاب نحو تعلمها، والتعلم المتقن (Mastery Learning) لأنه يركز على تعليم الطالب مهارة محددة ويتطلب منه الاستمرار بتأدية تلك المهارة إلى أن يصبح بمقدوره تأديتها بنسبة نجاح عالية. وفي ما يسمى التدريس المنظم Systematic Instruction)) أو التدريس المبني على البيانات (Data-Based Instruction) يتم تحليل المهمات التعليمية والتدريس المباشر المخطط له في ضوء بيانات موضوعية والاعتماد على البيانات لإجراء التعديلات عند الحاجة. وفي التعليم الدقيق (Precision Teaching) الذي هو أحد أشكال التعليم المبرمج يبدأ المعلم بتحديد السلوك المستهدف وتعريفه إجرائياً. بعد ذلك يقوم المعلم بقياس السلوك قبل البدء بالتعليم ويكتب هدفاً سلوكياً قصير المدى. ومن ثم يبدأ المعلم باستخدام إحدى طرق التدريس ويستمر بجمع المعلومات مستخدماً القياس المباشر والمتكرر (وأحياناً اليومي) والدقيق عن مدى تقدم الطالب نحو الهدف. وتعرض البيانات التي يتم جمعها في جلسات القياس المختلفة على شكل نقاط في نموذج رسم بياني ويتم توصيلها ليتضح مسارها.
وتختلف هذه الأساليب جوهريا عن الأساليب التقليدية غير المباشرة المنبثقة عن النموذج المعرفي والتي تهتم بتحديد العمليات أو القدرات المعرفية أو النفسية الداخلية (مثل الإدراك البصري، والإدراك السمعي، والانتباه، والعمليات الإدراكية الحركية، الخ) التي يعتقد أن المشكلات فيها تكمن وراء الصعوبة الموجودة لدى الطفل. وقد عرفت البرامج المنبثقة عن النموذج المعرفي ببرامج تدريب العمليات (Process Training) أو برامج تدريب القدرات (Ability Training). وقد بينت البحوث العلمية في السنوات الماضية أن الأساليب السلوكية هي الأكثر فاعلية في تعليم الطلبة ذوي صعوبات التعلم والاضطرابات النمائية.