اضطراب طيف التوحد هو اضطراب عصبي نمائي مزمن وشديد ينتج عن اختلافات في الدماغ. وتتمثل المشكلات الرئيسة في هذا الاضطراب في مشكلات التواصل والتفاعل الاجتماعي وفي السلوكيات والاهتمامات المتكررة والمقيدة. ويشمل هذا الطيف ثلاثة اضطرابات تتشارك إلى حد بعيد في كثير من الأعراض. هذه الاضطرابات هي:اضطراب التوحد أو التوحد الكلاسيكي، متلازمة اسبرجر، واضطرابات النمو الشاملة غير المحددة.
ويشير مصطلح (الطيف) إلى مجموعة واسعة من الأعراض والسلوكيات والاضطرابات الشديدة. وتشير المسوحات في كثير من دول العالم إلى حدوث زيادة كبيرة جدا في نسبة انتشار اضطراب طيف التوحد. وليس واضحا ما إذا كان هذا بسبب الرصد والإبلاغ بشكل أفضل أو بسبب زيادة حقيقة لعدد الحالات أو كليهما معا. وتفيد تقارير حديثة بأن نسبة انتشار هذا الاضطراب على المستوى اتلعالمي أصبحت تزيد عن 1%، وان هذا الاضطراب يمكن حدوثه في جميع المجتمعات بغض النظر عن العوامل العرقية والاجتماعية والإقتصادية.
يُستخدم مصطلح الأعلام الحمراء لاضطراب طيف التوحد للتعبير عن المؤشرات المبكرة أو العلامات التحذيرية لهذا الاضطراب. هذه الأعراض قد تختلف من طفل إلى آخر، إلا أنها تظهر في مرحلة الطفولة المبكرة وتقع بصفة عامة في مجالين اثنين هما: الضعف الاجتماعي بما في ذلك صعوبات التواصل الاجتماعي، والسلوكيات المتكررة والنمطية.
قُدمت في العقود الماضي عدة نظريات حول أسباب التوحد. كان يُعتقد أن اللقاحات، وتحديدا لقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية، تسبب التوحد، ولكن تم دحض هذه النظرية تماما. الاحتمال الآخر هو الدور الذي تلعبه الوراثة في اضطراب طيف التوحد. تم إجراء العديد من الدراسات لتحديد الجينات التي قد تسبب التوحد. بسبب عدم تجانس الأعراض والسلوكيات لدى الأشخاص الذين لديهم توحد والتعقيد الجيني العام، كان من الصعب العثور على سبب وراثي محدد للتوحد. وفي حين أنه لم يتم تحديد الجين المؤكد الذي يسبب التوحد، فقد تم إجراء العديد من الدراسات لمعرفة ما إذا كانت الطفرات في جينات الوالدين تتسبب في إصابة أطفالهم بالتوحد. وفي حين أن نتائج دراسات عديدة لم تكن حاسمة، ولم يتم العثور على سبب مؤكد للتوحد، إلا أن الدراسات تظهر أن علم الوراثة يلعب دورا رئيسيا في اضطراب طيف التوحد، على الرغم من أنه لا بد من إجراء المزيد من الدراسات لتحديد كيف وأي الجينات تسبب ذلك.
كما كانت هناك نظريات مفادها أن العوامل البيئية تلعب دورا في الإصابة بالتوحد. فقد أشارت دراسات عديدة إلى عوامل خطر بيئية تتعلق بالظروف الصحية للأسرة، وسن الوالدين، والعوامل الديمغرافية الأخرى، والتعرض للسموم، والتدخين والمضاعفات أثناء الحمل أو الولادة. ويدرس الباحثون حاليا ما إذا كانت العوامل، مثل العدوى الفيروسية أو الأدوية أو ملوثات الهواء تلعب دورا في التسبب في اضطراب طيف التوحد. ومن جهة أخرى، فقد بينت الأبحاث العلمية عدم وجود علاقة بين أي من المطاعيم التي تعطى للأطفال واضطراب طيف التوحد.
ولا تزال أسباب اضطراب طيف التوحد غير معروفة بدقة حتى اليوم، لكن الأبحاث تشير إلى أن كلا من الوراثة والبيئة تلعب أدوارا هامة في حدوث هذا الاضطراب. بالنسبة للعوامل الوراثية، أشارت الدراسات العلمية إلى أن العوامل الوراثية أحد أهم الأسباب المحتملة لاضطراب طيف التوحد. لكن آليات توريث التوحد بالغة التعقيد وليس واضحا أي الجينات هي المسؤولة. ويبدو أن عدة جينات مختلفة تسهم في ظهور اضطراب طيف التوحد. وقد تعزز الطفرات الجينية خطر الإصابة به في بعض الأطفال.
عملية تشخيص اضطراب طيف التوحد عملية صعبة لأنه لا توجد فحوصات طبية، مثل فحص الدم أو الأشعة وغير ذلك لتشخيصه. ينظر الأطباء إلى تاريخ نمو الطفل وسلوكه لإجراء التشخيص. ويتم تشخيص اضطراب طيف التوحد عادة من خلال عملية متعددة المراحل تشمل النظر في تاريخ نمو الطفل وسلوكه. وتتم ملاحظة السمات السلوكية باستخدام الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية بطبعته الخامسة المعروف ب (DSM-5)، الذي نشرته جمعية الطب النفسي الأمريكية وجدول المراقبة التشخيصية للتوحد. وتساعد المعلومات التي يقدمها أولياء الأمور في عملية التشخيص. ويقوم بعملية التشخيص فريق متعدد التخصصات قد يشمل طبيبا واحدا على الأقل، مثل طبيب أعصاب-أطفال، أو طبيب نفسي متخصص في نمو الأطفال، أو طبيب الأطفال. وقد يشارك في الفريق معالجو نطق ولغة، وعلاج طبيعي أو وظيفي، واختصاصي اجتماعي، وأختصاصي أو معلم تربية خاصة. ولا يحصل العديد من الأطفال على تشخيص نهائي إلا عندما يكبروا على الرغم من امكانية اكتشاف الاضطراب أحيانا قبل أن يبلغ الطفل سن الثانية من عمره. ويعني هذا التأخير أن الأطفال الذين لديهم اضطراب طيف التوحد قد لا يحصلون على المساعدة المبكرة التي يحتاجون إليها.
بعد تشخيص اضطراب طيف التوحد وتحديد أهلية الطفل لخدمات التربية الخاصة والخدمات المساندة، تجرى تقييمات تفصيلية لتحديد نقاط القوة والاحتياجات لدى الطفل من أجل التخطيط لاستراتيجيات التدخل. وتركز برامج التدخل على تحسين أداء الطفل والحد من أعراض الاضطراب ودعم نموه وتعلمه. وإذا قدمت للطفل خدمات التدخل المبكر في مرحلة ما قبل المدرسة ازدادت فرص تعلم المهارات الاجتماعية والوظيفية والسلوكية الحيوية ومهارات التواصل. وقد تشمل برامج التدخل: التحليل السلوكي التطبيقي وبرامج معالجة مشكلات التواصل للحد من الصعوبات الاجتماعية واللغوية والسلوكية لدى الطفل. وتعمل البرامج التربوية عالية التنظيم على تحسين المهارات الاجتماعية ومهارات التواصل والسلوك. كذلك يساعد دعم وتدريب أفراد أسرة على تحفيز المهارات الاجتماعية الطفل وتعليمه مهارات الحياة اليومية والتواصل. ومن العلاجات الأخرى علاج النطق لتحسين مهارات التواصل، والعلاج الوظيفي لتعليم أنشطة الحياة اليومية، والعلاج الطبيعي لتحسين الحركة والتوازن. وقد تفيد بعض الأدوية في السيطرة على الأعراض التي تصاحب التوحد مثل فرط النشاط وغير ذلك من المشكلات.